يوسف المرعشلي

1401

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

في التعليم الثانوي ، فاهتبلت أول فرصة تخلّف فيها أحد شيوخي عن درسه واستمعت لدرسه في التفسير ، فطرق أذني ما لم أسمعه وما لم أقرأه في كتب التفسير ، سمعت أسلوبا جديدا لا يعتمد على المناقشات النحوية واللفظية ، ويعتمد كثيرا على علم النفس لاستجلاء سياق الآيات والكشف عن معانيها في يسر . ومرة أخرى سمعته يدرّس مقدمة ابن خلدون فكانت أسماء الفلاسفة كأوقست كونت وكارل ماركس تدور على لسانه مقارنا بين آرائهما وآراء ابن خلدون ، حتى أني أتذكر أنا كنا في حلقة الشيخ مصطفى المؤدب فانقطع يسيرا عن الإلقاء وأصغى إليه قليلا . وفي هذه الفترة سنة 1945 / 1946 كان مديرا للخلدونية ولمعهد البحوث الإسلامية التابع لها ، وغالب محاضرات هذا المعهد يقوم هو بإلقائها ، وهذه المحاضرات تناولت أقطار العالم العربي والعالم الإسلامي ، وقسم العالم الإسلامي إلى وحدات كالوحدة الطورانية ، ويحاضر عن أقطار كل وحدة ، ويبتدئ بالحديث عن جغرافيتها ثم عن تاريخها إلى العصر الحاضر ، ويختم محاضرته عن حالتها السياسية والاجتماعية . وهذه المحاضرات بعيدة عن جفاف العلم ، بل يحلّيها برونق البيان وجمال التصوير ودقته ، مما يقربها إلى النفوس ، لتمكنه من عبقرية اللغة وبراعة الأداء ، وبما له من موهبة أدبية عالية تجيد تصوير الأغراض والمعاني ، وتعرف بدقة ما يؤثر على النفس ويجلب انتباهها ويشوقها للمتابعة . وكان يلقي هذه المحاضرات ارتجالا مكتفيا بوضع مذكرة صغيرة أمامه ، فكان محل تعجب وتقدير من مستمعيه لما رأوا فيه من قوة تركيز ذاكرته ، والتنظيم الجيد لعناصر المحاضرة ، والبعد عن الحشو والاستطراد ، وغزارة الاطلاع التي لا مثيل لها بين معاصريه . وقد فتح بهذه المحاضرات المجال واسعا لفهم السياسة الدولية ، وسير منعرجاتها ، وإلقاء الأضواء الكاشفة على دروبها المظلمة ، وهذه المحاضرات تدلّ على اطلاعه الواسع وفكره النير وفهمه الدقيق وذوقه الرشيق ، وكان يحضرها تلاميذ الزيتونة وبعض تلاميذ المدرسة الصادقية وأهل العلم والأدب وبعض الذوات المرموقة كوزير متقاعد والمستشرق الإيطالي قويدو مدينة وغيرهم . وكان فذّا بين مدرّسي الزيتونة ، لا يشاركه أحد في سعة معارفه وثقافته الحديثة وغزارة اطلاعه وسموّ أخلاقه ، قرأت عليه في التعليم العالي « شرح السعد التفتزاني على العقائد النسفية » و « تاريخ الفرق الإسلامية » وفيهما سمعنا الأسلوب الجديد والمعلومات الغزيرة ، ففي درس العقائد كان كثيرا ما يقارن بين آراء المتكلمين والفلاسفة كابن سينا والفارابي وابن طفيل وابن رشد ، وفي درس تاريخ الفرق سمعت منه من غزارة التحليل ودقة التعليل وسعة الاطلاع ما وددت أن تكون حصة الدرس ثلاث مرات في الأسبوع لا مرة واحدة ، مع أني لست خالي الذهن عن تاريخ الفرق فقد كنت طالعت « التبصير في الدين » للإسفراييني وما كتبه المستشرق كارا دي فو في كتابه « مفكرو الإسلام » . كان عضوا بمجمع اللغة العربية في القاهرة . توفي في 2 ( أفريل ) نيسان سنة 1970 ، وتولّى إمامة الصلاة عليه والده بكل قوة وبرباطة جأش . مؤلفاته : - « أركان النهضة الأدبية بتونس » . ( تونس 1968 ) . - « أعلام الفكر الإسلامي في المغرب العربي » . ( تونس 1965 ) . - « الحركة الأدبية والفكرية في تونس » . ( القاهرة 1956 ) . - « التفسير ورجاله » . ( تونس 1966 ) . - « المحاضرات المغربيات » . ( تونس 1394 / 1974 ) مصدرة بدراسة عنوانها الفكر الإسلامي بين تونس والمغرب على مدى القرون ، لجامع هذه المحاضرات عبد الكريم محمد ، وفيها لمحات عن خصائص المحاضر ومكانته العلمية ، وتحليل وجيز للمحاضرات وعددها سبع . - « ومضات فكر » . الجزء الأول ( تونس 1981 ) ، ووقع الإعلان عن عزم طبع الجزء الثاني خلال سنة 1982 . - « تراجم الأعلام » . ( تونس 1970 ) .